
الإشارات العلمية في القرآن الكريم: تحرير اصطلاحي ومنهجي(٧)
نحو استبدال مصطلح الإعجاز العلمي بمفهوم أدق وأشمل
كثُر في العقود الأخيرة استعمال مصطلح الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، حتى صار هو العنوان الغالب لكل ما يُربط بين النصوص الشرعية والمعارف الكونية الحديثة. غير أن هذا الشيوع الاصطلاحي لم يكن دائمًا منضبطًا، وأدّى في كثير من الأحيان إلى خلطٍ منهجي بين القطعي والظني، وبين الحقيقة العلمية والنظرية القابلة للتغير، مما فتح باب الاعتراض، لا على القرآن، بل على طريقة عرضه وربطه بالعلوم التجريبية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في المصطلح نفسه، واقتراح مصطلحٍ أدق دلالةً، وأوسع شمولًا، وسلامة منهجً، وهو مصطلح: الإشارات العلمية.
أولاً: الإشكال المنهجي في شيوع مصطلح الإعجاز العلمي
مصطلح الإعجاز العلمي في ذاته ليس باطلًا، غير أن الإشكال نشأ من توسيع دائرته ليشمل ما ليس منه، فصار يُطلق على:
– حقائق علمية قطعية.
– نظريات راجحة.
– فرضيات قابلة للنقض.
– اجتهادات تفسيرية محتملة.
وهذا التوسع أفضى إلى إشكالين رئيسين:
1. إلزام النص الشرعي بما لم يثبت قطعه علميًا.
2. تحميل لفظ الإعجاز ما لا يحتمله في كل موضع، مع أن الإعجاز يقتضي التحدي والعجز، وهو وصف لا يصح إلا في نطاق محدود من الأمثلة المنضبطة.
ثانياً: مفهوم الإشارات العلمية وأولويته الاصطلاحية
يُقصد بـ الإشارات العلمية:
> ما يشتمل عليه القرآن الكريم والسنة النبوية من ألفاظ أو تراكيب أو دلالات كونية، تَظهر وجوهُ مناسبتها أو توافقها مع معارف علمية حديثة، على درجات متفاوتة من الوضوح والقطع، من غير الجزم بأن ذلك كله من باب الإعجاز القطعي.
ويمتاز هذا المصطلح بعدة خصائص تجعله أولى بالاعتماد:
1. سَعَة الدلالة: فهو يشمل الإعجاز العلمي بوصفه أعلى مراتبه، ويشمل كذلك التفسير العلمي والموافقات العلمية.
2. السلامة المنهجية: إذ لا يُلزم النص بما لم يثبت قطعه، ولا يُقحم وصف الإعجاز في كل موضع.
3. المرونة العلمية: لكونه يتسع لتغير النماذج والنظريات دون أن يترتب على ذلك طعن في النص.
4. القبول العلمي والنقدي: فهو أقل إثارة للاعتراض، وأكثر قبولًا حتى عند المتحفظين على مصطلح الإعجاز العلمي.
ثالثاً: موقع الإعجاز العلمي داخل الإشارات العلمية
بناءً على ما سبق، فإن الإعجاز العلمي ليس مقابلاً للإشارات العلمية، بل هو جزءٌ منها، ويمثل أخصَّ صورها وأعلاها مرتبة.
فكل إعجاز علمي هو إشارة علمية، وليس كل إشارة علمية إعجازًا علميًا.
وعليه، فإن الإعجاز العلمي لا يُنفى ولا يُلغى، وإنما يُعاد إلى حجمه الطبيعي، ويُحصر في المواضع التي يتحقق فيها:
– القطع العلمي،
– ووضوح الدلالة،
– وانتفاء التكلف،
– واستحالة العلم به زمن الوحي.
رابعاً: لماذا يُستبدل المصطلح ولا يُكتفى بتقييده؟
قد يُقال: يكفي تقييد مصطلح الإعجاز العلمي بضوابطه.
غير أن التجربة العلمية والجدلية أثبتت أن الاسم ذاته صار حمّال إشكالات، وأن استبداله بمصطلح الإشارات العلمية يحقق مقاصد متعددة، منها:
– ضبط الخطاب الدعوي والعلمي.
– حماية النص من التوظيف المتعجل.
– التمييز الواضح بين القطعي والظني.
– الجمع بين الهداية القرآنية والانفتاح العلمي دون تصادم.
خاتمة
إن اعتماد مصطلح الإشارات العلمية في القرآن الكريم بدلًا من التوسع في إطلاق مصطلح الإعجاز العلمي، لا يمثل تراجعًا عن الإعجاز، بل هو تصحيح لمساره، وترشيد لخطابه، وحفظ لهيبة النص القرآني.
فالقرآن كتاب هداية ومعجزة خالدة، وما فيه من إشارات كونية تزيد المؤمن إيمانًا، وتفتح للعاقل أبواب التفكر، دون أن تُربط قيمته بتغير النظريات أو تبدل النماذج العلمية.
---
كتبه:
د. أحمد سنان الكامل
نائب رئيس الرابطة العالمية لعلماء الإعجاز في القرآن والسنة