تأصيل منهجي في ضوابط الإعجاز العلمي فيما كان متوافقا غير متطابق

التشريع والاقتصاد والسياسة

د. أحمد سنان الكامل
صفحات ذات صلة 0
لا يوجد في هذا القسم مقالات أخرى

تأصيل منهجي في ضوابط الإعجاز العلمي فيما كان متوافقا غير متطابق

يكثر الخلط في الخطاب المعاصر بين ما يُسمّى بالإعجاز العلمي وبين التفسير العلمي للنصوص الشرعية، ولا سيما عند وجود توافق لافت بين دلالة النص القرآني أو النبوي وبعض النتائج العلمية الحديثة، مع بقاء قدر من الاختلاف بين أهل الاختصاص. وتبرز هذه الإشكالية بوضوح في مسائل مثل اختلاف العلماء في عدد مفاصل الإنسان مع ورود النص النبوي المحدِّد لها بثلاثمائة وستين مفصلًا. فما المنهج العلمي الصحيح في التعامل مع هذه القضايا؟
تحرير محل النزاع
نحن أمام نص شرعي ثابت، يتضمن إشارة عددية أو وصفية دقيقة، ويقابله اختلاف علمي بين المختصين، إلا أن هذا الاختلاف ليس اختلاف تضاد، بل هو اختلاف تنوّع وعدّ وتصنيف، تنتهي أقواله عند التحقيق والجمع إلى نتائج متقاربة، بل قريبة من مطابقة دلالة النص.
الإعجاز العلمي والتفسير العلمي: الفرق المنهجي
التفسير العلمي هو توظيف المعارف العلمية لفهم دلالة النص أو تقريب معناه دون الجزم بأن النص قصد هذه الحقيقة بعينها، وهو بطبيعته ظني ومتغير. أما الإعجاز العلمي فهو دلالة النص دلالة قوية أو راجحة على حقيقة كونية لم تكن معلومة زمن التنزيل، وثبتت لاحقًا بثبوت علمي معتبر، مع سلامة الدلالة اللغوية وانتفاء المعارضة العلمية.
عند وجود اختلاف علمي متقارب
القاعدة المنهجية أن الاختلاف العلمي إذا كان اختلاف تنوّع لا اختلاف تضاد، فإنه لا يمنع من الاستدلال، لكنه في الوقت نفسه لا يرقى تلقائيًا إلى مرتبة الإعجاز العلمي القطعي، لأن الإعجاز يشترط استقرار الحقيقة العلمية استقرارًا قريبًا من القطع.
مثال تطبيقي: عدد مفاصل الإنسان
ثبت في الحديث الصحيح تحديد عدد مفاصل الإنسان بثلاثمائة وستين مفصلًا، وقد اختلف علماء التشريح في العدّ بسبب اختلاف تعريف المفصل، أو إدخال بعض الأنواع من المفاصل من عدمه، إلا أن كثيرًا من الدراسات الحديثة تنتهي عند الجمع والتفصيل إلى رقم يوافق هذا العدد أو يقاربه، وهو اختلاف منهجي لا إنكاري، وقريب من التطابق مع النص.
الحكم المنهجي الدقيق
هذه الحالة لا تُعد إعجازًا علميًا قطعيًا بالمعنى الاصطلاحي الدقيق، لكنها أعلى من مجرد تفسير علمي عابر، ويمكن توصيفها بأنها إشارة علمية نبوية دقيقة، أو موافقة علمية راجحة للنص، أو قرينة إعجازية محتملة لا قطعية.
الخلاصة
كل إعجاز علمي هو تفسير علمي، وليس كل تفسير علمي إعجازًا. وما كان بين المنزلتين فلا يُنفى ولا يُجزم به، بل يُعرض عرضًا علميًا منضبطًا، يبرز دقة البيان الشرعي وسبقه، دون تهويل أو ادعاء قاطع، وبما يحفظ لمنهج الإعجاز العلمي مكانته العلمية الرصينة.